الدراما التلفزيونية العراقية في رمضان2
كتبهاد.محمد فلحي ، في 23 أيلول 2008 الساعة: 15:36 م
الدراما التلفزيونية العراقية في رمضان:
(سنوات النار) يعالج جرحاً ما زال ينزف
ويكشف عن ملامح (المدرسة العطوانية) في لغة الدراما التلفزيونية!
(2)
بقلم:
د. محمد فلحي

أمسيت في رمضان المبارك، مثل بقية العباد، أتجول في فضاءات التلفزيون المزدحمة بالصور والأصوات والألوان المبهرة، وأخوض معركة خاسرة ضد شياطين المسلسلات والأفلام، ولكنني لم أترك نفسي فريسة سهلة تتجاذبني وساوس القنوات، ذات اليمين وذات الشمال، فقد نويت، منذ البدء، بمشيئة الله تعالى، صيام نهارات الشهر الفضيل، وتمضية لياليه بين قيام في طاعة الله أو جلوس أمام شاشة التلفزيون، كأي مواطن عربي مطيع وذليل وحزين، وخائف من جور الزمان وقسوة السلطان وخداع الشيطان، وكما أشرت في مقال سابق، لا أريد أن أصدق أن هناك مؤامرة لتقويض الإسلام من خلال الدراما التلفزيونية- مثلما يزعم بعض المتشددين الذين أهدروا دماء العاملين في بعض المحطات التلفزيونية- ولكن طبيعة العصر الذي نعيش حالياً فرضت على البشر جميعا التعامل مع هذه التقنيات الجديدة، وتوظيفها من أجل الخير أو الشر!
وقد سرني، مع الكثير من المشاهدين، أن نعثر في خضم هذا الطوفان التلفزيوني الرمضاني على دراما عراقية خالصة،من خلال قنوات عراقية عديدة ومتنوعة، ونسمع صوت الإنسان العراقي المبدع الشريف يتردد في الآفاق، رغم ضجيج الانفجارات ودخان المفخخات وأنهار الدماء البريئة التي تسيل على أرصفة الموت المجاني يومياً، ومن ثم فقد اقتنعت- توفيراً للوقت والجهد- بمشاهدة مسلسلين عراقيين فقط، أولهما(مسلسل الباشا) من قناة (الشرقية)، وثانيهما(مسلسل سنوات النار) من قناة (البغدادية)، وقد سبق أن كتبت عن معاني العودة إلى التاريخ، غير البعيد، واستلهام شخصياته وأحداثه من خلال الدراما التلفزيونية، واعتبرت(الباشا) مستوفياً شروط العمل الإبداعي، وميّزته من بين الكثير من الهذيان التلفزيوني الذي يستفز مشاعر الناس في بيوتهم وينتهك قدسية شهر رمضان الكريم!
ولعل هناك أكثر من علاقة رابطة بين(الباشا) و(سنوات النار) تسوّغ اختياري وحرصي على مشاهدتهما، رغم الإغراءات المفتوحة، والتجاذبات من جميع القنوات والاتجاهات، ومن بين تلك الروابط أن المسلسلين يطرحان موضوعاً سياسياً واحداً، من زاويتين تبدوان مختلفتين، ومتباعدتين زمنياً، بيد أنهما يلمسان مناطق حساسة في الذاكرة السياسية العراقية، ولا يفصل بينهما سوى جيلين أو ثلاثة، ف(الباشا) هو السياسي العراقي المرحوم نوري السعيد، الذي عاش فترة تأسيس الدولة العراقية الحديثة، في مطلع العشرينيات، من القرن العشرين، وشارك في أحداث نحو نصف قرن من تاريخ العراق، من خلال ترؤسه الحكومة العراقية،مرات عديدة، إلى جانب مناصب سياسية وعسكرية مهمة، وغالباً ما اتهم ذلك الرجل من قبل خصومه السياسيين بموالاة المشروع البريطاني في العراق، وقد انتهت حياته بطريقة(دراماتيكية) دموية، مقتولاً ومسحولاً من قبل الغوغاء في شوارع بغداد، بعد الإطاحة بالحكم الملكي في منتصف تموز(يوليو) عام1958 وإعلان العراق جمهورية، توالى على حكمها الضباط العسكريون،فيما بعد، وتوارثوها عن طريق الانقلابات والمؤامرات، حتى وصلت إلى يد الطاغية المقبور صدام، الذي لم يتوان عن ارتكاب أبشع الجرائم والكوارث من أجل استمرار تسلطه على رقاب العراقيين لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن المر، ومن هذه النقطة تبدأ حكاية مسلسل(سنوات النار) عبر قناة (البغدادية)، وهو عمل درامي (تاريخي-وثائقي)، من تأليف الكاتب المبدع صباح عطوان وإخراج الفنان هاشم أبو عراق، وإشراف الفنان قاسم الملاك، وقد قام بتمثيله عدد من الفنانين العراقيين البارزين، حيث تمت من خلاله إعادة فتح ملف الانتفاضة الجماهيرية الشعبانية عام1991 في جنوب العراق، وما رافقها من قمع وبطش رهيب وحرب إبادة ضد السكان المدنيين من قبل السلطات البعثية والجيش الصدامي العائد من حرب الكويت مهزوماً.
وقد يتساءل بعض المشاهدين، عن مغزى عرض مثل هذه الأحداث المثيرة للشجون عبر عمل درامي هو أقرب إلى البرامج الوثائقية من العمل الروائي، لأنه يسرد قصة واقعية، وإن الكثير من شخصياته وأحداثه الحقيقية ما تزال حية في الوجدان الشعبي، حيث الآلام لم تهدأ بعد، والنزيف لم ينقطع، وبخاصة في ظل هذا التوقيت الذي يشهد فيه العراق صراعاً دموياً على خلفية سقوط حكم البعث، وما تبعه من احتلال اميركي وحرب طائفية، وإلى ذلك فإن هذا المسلسل قد يسهم في إثارة الضغينة في النفوس،وتأجيج مشاعر الحقد والانتقام بين أبناء الشعب الواحد، لكن صانعي المسلسل يبررون إنتاجه وعرضه بمقدمة تقريرية توضح موقفهم بالقول:كي لا يصبح الحاكم عدواً لشعبه، ولا تَسوّد صفحات التاريخ..كي لا يُجيّر الوطن للسلطان.. كي لا يعدم حب الوطن في قلوب فقرائه.. فتحنا صفحة حرجة في تاريخنا، بكل جروحها.. كي نغسل الجروح، ونداوي النفوس، ونعتبر!
والعبرة من(سنوات النار) كما يبدو، هي استذكار تضحيات جيل كامل من العراقيين والتعبير عن معاناتهم، حيث سحقت أحلامهم تحت رغبات الحاكم المتجبر، ولا شك أن المسلسل يهدف إلى التحذير من تكرار تلك التجربة الرهيبة،عبر تجسيد مظاهر الظلم والمواجهة الأزلية بين الحق والباطل،من خلال شخصيات مثل(سيد مرهج) قائد الثوار في أهوار العراق،الذي يؤدي دوره بصدق وتلقائية الدكتور ميمون الخالدي، إلى جانب المرأة الريفية العجوز التي تختزن في أحاديثها إلى أولادها وأحفادها عمق حضارة وادي الرافدين، وتجسدها الفنانة عواطف السلمان،بلهجة جنوبية شفافة وملامح سومرية أصيلة وحكمة عربية بليغة، وتنطلق قصة المسلسل من الصراع القبلي التقليدي بين أبناء العمومة من عشيرتي(الجمّاسة) و(المجارشة)، الذين سرعان ما يدركون بساطة أطماعهم ومشاكلهم أمام الخطر الزاحف الذي يهدد مصيرهم جميعاً عند اندلاع الانتفاضة،ووجودهم في بؤرة الصراع بين الثوار والقوات الحكومية.
إن الكاتب صباح عطوان الذي يُعد أبرز صنّاع الدراما التلفزيونية العراقية، ذات النكهة الجنوبية، منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، تعمد أن يعالج، هذه المرة، جرحاً عراقياً نازفاً ومؤلماً، عبر مشاهد(البانوراما) الواسعة، حيث تكون الطبيعة الريفية الساحرة والقاسية مسرحاً لذلك الصراع بين إرادتين مختلفتين، ويكون الإنسان محور ذلك الصراع وأداته وضحيته في الوقت نفسه، وكان هذا الموضوع قد طرحه الكاتب نفسه في مسلسل سابق بعنوان(أمطار النار) الذي تجري أحداثه في المنطقة ذاتها، خلال سنوات الحرب العراقية-الإيرانية، ويكاد مسلسل (سنوات النار) أن يكون امتداداً طبيعياً وجغرافياً وزمنياً لتلك المرحلة القاسية،إن لم يكن من بين نتائجها المريرة، وهو من حيث الأجواء والمشاهد الخارجية الكثيرة واللهجة والحوار ينتمي إلى ما يمكن تسميته ب(المدرسة العطوانية) في لغة الدراما التلفزيونية.
وقد حاول المؤلف، ببراعته المعهودة، توصيل القصة الرئيسية، من خلال مسارات متعددة، ذات صبغة إنسانية،إلى جانب المحور الرئيسي الذي يتمثل في الصراع بين إرادة الشعب المقهور واستبداد الحاكم، ولعل من أهم تلك المسارات الجانبية قصة الحب بين حسين(مهران عبد الجبار) الجندي العائد من حرب الكويت، وسلامة(هند طالب) الفتاة الريفية الجميلة التي تنتظره بصبر، وسط تلك البيئة الخطيرة، والمحاصرة بالأسلحة الكيمياوية والراجمات والمدافع، حيث ينتحر(الحب) عند حافات(الحرب) في غياب(الحبيب) عندما تجد تلك الفتاة اليتيمة نفسها بين مخالب الذئاب البشرية المتوحشة، مثل جريا الذي يعمل جاسوساً لصالح القوات الحكومية ضد أبناء قريته،مقابل وعود غامضة ونقود ضئيلة، وينبغي أن أتوقف هنا قليلاً لكي أسجل إعجابي بهذا الدور المعقد الذي أداه(جواد المدهش) بطريقة تثير الدهشة!
وفي مسار يبدو قريبا من (الكوميديا) السوداء تظهر شخصية ثعيور(لؤي أحمد) الذي يتظاهر بالجنون والرعونة، ويثير السخرية في حركاته وكلماته، بيد أن عقليته تتفوق على الكثير من العقلاء، عندما يقرر التعاون مع الثوار- وربما يستشهد في نهاية القصة- وهو شخصية طريفة وخفيفة مقابلة لثقل وصلابة شخصية(فاروق) الموظف الصحي،الذي يحرص على تأدية رسالته الإنسانية، ويمارس مهنته الطبية دون انحياز أو غرض سياسي، ويبادر إلى معالجة سكان الأهوار من مرض الهيضة(الكوليرا) فيصبح مجرماً، من وجهة نظر القوات الحكومية، التي تحتجزه مع جميع العاملين في المركز الطبي الريفي، بتهمة مساعدة المتمردين، بعد تدمير المركز نفسه بقذائف المدافع.
ويتقمص(عدنان شلاش) بإتقان واندماج عجيب، شخصية الرفيق البعثي الذي يشترك مع قوات الجيش في حملة الإبادة المنظمة ضد سكان الأهوار، وأغلبهم من المزارعين وصيادي الأسماك، فلا يتورع عن منافسة العسكريين والتفاخر بتنفيذ أوامر(القيادة الحكيمة)، بكل دقة وإخلاص، من أجل الحصول على (التكريم)!
ويؤدي(عبد الجبار الشرقاوي) بنبراته الصوتية الحادة كالسيوف دور عبادي الشلغم، الذي يتناغم مع دور(كاظم القريشي) في رفع صوت العقل والدعوة إلى الحكمة في مواجهة النفوس الهائجة والنزعات الشريرة،والخلافات التي تمزق وحدة القرية، وتجعل حدودها هشة وضعيفة أمام التحديات الخارجية القادمة من وراء الأهوار!
ولابد أن أشير إلى(طه المشهداني) الذي يؤدي شخصية محورية وجذابة ومندفعة في الانتماء لصفوف الثائرين وهو(نزار) الملقب ب(جيفارا) لدفاعه المستميت عن المظلومين وإيمانه العميق بانتصار الشعب الثائر ضد الطغيان.
أود أن أحيي جميع الفنانين المشاركين في هذا العمل الدرامي، ومن بينهم أولئك الذين لم يتسن لي ذكر أسماءهم، وقد مثلوا أدوارهم بإحساس مرهف وإبداع واضح، من خلال شخصيات العسكريين أو الثوار أو المزارعين البسطاء،أو النساء المضطهدات الصابرات، ويشرفني أن أشد على أيادي هؤلاء الفنانين المجاهدين الذين تحدوا الظروف الصعبة، وخاطروا بحياتهم، وذهبوا إلى مناطق الأهوار، في جنوب العراق، لكي يجعلوا من هذا العمل ملحمة حقيقية تعبر عن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، في هذا الزمان!
وأخيراً، لا بد من القول أن فضاء الحرية الإعلامية السائد حالياً في العراق، رغم المخاطر الأمنية المعروفة، وتعدد قنوات البث التلفزيوني غير الرسمية،قد أتاح للإبداع الدرامي الانطلاق، دون حواجز، ومن ثم الاقتراب من الكثير من الموضوعات التي ما تزال(محرمة) في قاموس السياسة العربية، ومن بينها العلاقة المتأزمة بين الحاكم والمحكوم، وأن تعالج جروحاً حقيقية غائرة في النفس العربية، وتسهم في كشف عورات أنظمة الاستبداد والقهر والجوع، التي تفرض (أجندة) الحاكم على وسائل الإعلام، المحكومة بمقص الرقيب، وتجرع المشاهدين مرارة الوصفات الجاهزة، وتبتعد عن كل ما يمس(هيبة) السلطان، وتغرق المشاهد في حكايات التاريخ الأسطوري المصطنع، أو التوغل في مناطق مظلمة، وسط (الحارات) الزائفة، لكي تسهم في تشويه ذائقة الناس وتخدير حواسهم وسلب إرادتهم، من خلال أفيون الشاشة اللامعة!
ألف تحية لكل فنان عراقي يتحدى الموت، متسلحاً بإرادة الحياة، ويزرع الأمل وسط أشواك الجهل والخوف.. ألف تحية لكل من يكتب بدمه كلمة مبدعة، ويعبر عن أفكاره الحرة بجرأة، ويتحدى الظلم والزيف والظلام!
Mfalhy2002@yahoo.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات ونشر | السمات:مقالات ونشر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























ديسمبر 19th, 2008 at 19 ديسمبر 2008 7:06 ص
مدونة رائعة نتمنى لكم النجاح الدائم
ديسمبر 19th, 2008 at 19 ديسمبر 2008 8:35 ص
أشكرك أخي العزيز الاستاذ كاظم الزيدي على تفضلكم بزيارة مدونتي وعلى كلماتكم الرقيقة والى المزيد من التواصل ان شاء الله في عراق آمن وسعيد